مداخلة مازن صالح، المدير الرئيسي للسياسات العامة في مركز الأبحاث الأمريكي R Street، خلال فعالية Technovation بالرباط
مقاربة تدريجية بدل الحلول الموحّدة
قدّم مازن صالح، المدير الرئيسي للسياسات العامة في مركز الأبحاث الأمريكي R Street، خلال فعالية Technovation التي احتضنتها مدينة الرباط، قراءة معمّقة لإدارة المخاطر المرتبطة بالتبغ والنيكوتين. وشدّد المتحدث على ضرورة مواكبة كل مستهلك وفق مساره الخاص، بدل فرض حلول موحّدة على الجميع، معتبراً أن الطريق نحو صحة أفضل لا يسير أبداً في خط مستقيم.
ودعا صالح إلى الانطلاق من حيث يقف الناس فعلاً في رحلتهم مع النيكوتين، بالاعتماد على ثلاث ركائز متكاملة: القدرة المالية على الوصول إلى المنتجات، توفّرها الفعلي في السوق، والحصول على معلومة موثوقة تتيح لكل فرد اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن صحته.
من الوقاية إلى الإقلاع… وما بينهما
يذكّر المسؤول بالمنطق المتدرّج المعتمد عادة في هذا المجال: الوقاية أولاً، لمنع غير المدخنين من البدء في التدخين؛ ثم منتجات الإقلاع، على غرار أكياس النيكوتين أو العلكة، الموجهة لمن يرغبون في التوقف نهائياً.
لكن بين هذين الطرفين، يشير صالح إلى وجود فضاء واسع كثيراً ما يُهمل في النقاش العمومي: فضاء الأشخاص الذين بدأوا التدخين فعلاً ولا يستطيعون، أو لا يرغبون، في التوقف عنه لأسباب متعددة، منها التعامل الذاتي مع الضيق النفسي، أو البحث عن المتعة، أو الارتباط الثقافي بالعادة. وبالنسبة لهذه الفئة تحديداً، لا يكمن التحدي في فرض الامتناع التام، بل في تشجيع قرارات أفضل عبر تواصل مبني على أدلة علمية يوضح بجلاء مستويات الخطر المرتبطة بمختلف فئات المنتجات.
الولايات المتحدة، مختبر حقيقي للسياسات العامة
وعند سؤاله عن تأثير التنظيم التقييدي على بدائل التبغ، استحضر مازن صالح التجربة الأمريكية التي يصفها بـ«مختبر طبيعي» حقيقي للسياسات العامة. ففي الولايات المتحدة، وإلى جانب التنظيم الفيدرالي، تملك كل ولاية صلاحيتها التشريعية الخاصة في مجال التبغ والنيكوتين، ما يتيح مقارنة آثار سياسات مختلفة على فئات سكانية متشابهة في الخصائص الديمغرافية والاجتماعية.
والملاحظة، بحسب صالح، واضحة: ففي الولايات التي قيّدت الوصول إلى المنتجات الأقل خطورة، وخصوصاً السجائر الإلكترونية المنكّهة، تتراجع المبيعات المحلية فعلاً. غير أن المشتريات ترتفع في المقابل في الولايات المجاورة بنسب تكاد تكون مماثلة، ما يعني أن المستهلكين لا يتخلون عن هذه المنتجات، بل يكتفون بالتنقل للحصول عليها من مكان آخر.
حين يتحول الحظر الشامل إلى سوق موازية
وعلى المستوى الوطني، تأخذ الظاهرة شكلاً مختلفاً حين يصبح الحظر شاملاً على امتداد البلاد بأكملها: فالطلب لا يختفي، بل يتجه نحو منتجات غير منظَّمة، غالباً ما تكون مستوردة دون أي ترخيص أو رقابة على الجودة أو فحص للسلامة. ويستشهد مازن صالح بمثال ملموس في هذا الصدد، هو حظر السجائر الإلكترونية المنكّهة في الولايات المتحدة سنة 2020، الذي غذّى مباشرة سوقاً موازية غير خاضعة لأي مراقبة.
التنظيم وفق مستوى الخطر الفعلي
وفي ختام حديثه، وعند سؤاله عن كيفية التعامل مع موضوع المستهلك ضمن هذا النقاش، قدّم مازن صالح إجابة مقتضبة عن قصد: فمسؤولية صانعي القرار، بحسب رأيه، تختصر في مبدأ واضح، هو تنظيم منتجات النيكوتين، وخصوصاً تلك الأقل خطورة، استناداً إلى مستوى الخطر الفعلي الذي تمثله بالنسبة للفرد.
معادلة بسيطة، لكنها تلخّص مجمل مداخلته: فبدل فرض حظر موحّد على الجميع، يتعلق الأمر بتكييف التنظيم مع واقع المخاطر الخاصة بكل فئة من المنتجات، من أجل مواكبة أفضل لخيارات المستهلكين وتوجيههم تدريجياً نحو بدائل أقل ضرراً.
